ابن قيم الجوزية

83

البدائع في علوم القرآن

بأي طرق وصل . ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام ، كالإرادة . يقال : فلان أراد إرادة ، يريدون حقيقة الإرادة . ويقال : أراد الجدار ، ولا يقال : إرادة ، لأنه مجاز غير حقيقة ، هذا كلامه . وقال تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون . وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر ، لا في الأول وفيه أعطي الألواح ، وكان عن مواعدة من اللّه له . والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة ، وفيه قال اللّه له : يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف : 144 ] أي بتكليمي لك بإجماع السلف . وقد أخبر - سبحانه - في كتابه : أنه ناداه وناجاه . فالنداء من بعد ، والنجاء من قرب . تقول العرب : إذا كبرت الحلقة فهو نداء ، أو نجاء . وقال له أبوه آدم في محاجته : « أنت موسى الذي اصطفاك اللّه بكلامه ، وخط لك التوراة بيده ؟ » « 1 » . وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه . وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة ، على اختلاف الرواية « 2 » . قال : « وذلك بتفضيله بكلام اللّه » ، ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن لهذا التخصيص به في هذه الأحاديث معني ، ولا كان يسمى « كليم الرحمن » . وقال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] ففرق بين تكليم الوحي ، والتكليم بإرسال الرسول ، والتكليم من وراء حجاب . فصل المرتبة الثانية : مرتبة الوحي المختص بالأنبياء ، قال اللّه تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [ النساء 163 ] وقال : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ الآية [ الشورى : 51 ] فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم ، وجعله في آية النساء قسيما للتكليم ، وذلك باعتبارين ، فإنه قسيم التكليم الخاص الذي هو بلا واسطة ، وقسم من التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة . والوحي في اللغة : هو الإعلام السريع الخفي ، ويقال في فعله : وحى ، وأوحى ، قال رؤبة :

--> ( 1 ) البخاري ( 6614 ) في القدر ، باب : تحاج آدم وموسى عند اللّه ، ومسلم ( 2652 / 13 ) في القدر ، باب : حجاج آدم وموسى عليهما السلام . ( 2 ) البخاري ( 349 ) في الصلاة ، باب : كيف فرضت الصلوات في الإسراء ، ومسلم ( 162 / 259 ) في الإيمان ، باب : الإسراء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات .